رسالة لأقباط مصر: حافظوا على عقولكم

رسالة لأقباط مصر: حافظوا على عقولكم
بقلم – رامي يعقوب

من بين القضايا الحساسة والتي يتردد كثير من المحللين في التصدي لها بوضوح، قضية “ثورة 25 يناير والأقباط”، وهل التداعيات والتطورات التي أعقبت الثورة جاءت بمخاطر هددت وضع المصريين الاقباط وجعلتهم يشعرون بمخاوف حقيقية علي مستقبلهم ومستقبل أولادهم وأعمالهم وعلي حقوقهم كمواطنين، مثل حرية العبادة وبناء الكنائس وحرياتهم الخاصة والعامة وحقهم في تولي المناصب في الدولة، وفي المشاركة السياسية وصناعة القرار، هل هذه المخاوف حقيقية ومبررة؟ أم أن هناك مبالغة في تقدير حجم الخطر مما يحتاج لوقفه هادئة مع النفس لمعرفة الأسباب وتعريف الحلول ونزع فتيل الاحتقان؟

إن ثورة ٢٥ يناير قامت في الأساس علي أكتاف المصريين جميعاً وسالت في ميادين مصر دماء مصرية طاهرة لا تعرف التمييز بين مسيحي ومسلم، هل نستطيع أن نفرق بين دم الشيخ عماد عفت ودم مينا دانيال؟

الشيخ عماد عفت

وكان أعظم ما جاءت به الثورة هو كسر حاجز الخوف، خوف المصري المسلم الذي تعرض للبطش والتنكيل والسجن لانتمائه لجماعة الإخوان، وخوف المصري المسيحي علي حياته ومستقبله وكنيسته، وخرج الجميع يطلبون العدل والمساواة ويهتفون للحرية والكرامة…”إرفع راسك فوق إنت مصري” … لا مسيحي ولا مسلم بل مصري فقط.

هذا ا لإنسان المصري هو الذي صنع مجد هذه الثورة وقدم للعالم أعظم نموذج  للإصرار  والسلمية  والوحدة الوطنية .كان المصري المسلم يشعر قبل الثورة أنه ذليل ومطحون والمصري المسيحي يعاني  الإحساس المرير بأنه مواطن من الدرجة  الثانية  . وسؤال في غاية الأهميه يطرح نفسه: هل ستستمر تلك المخاوف في الهيمنه على عقول المصريين أجمعين و تستدرجهم بعيدا عن المعركه الأساسيه؟

إن أجمل ما في العقيدة المسيحية هو قدرة المؤمن علي التحرر من قيود مخاوف هذا العالم، وهذا الإحساس الرائع شعر به ملايين المسيحيين مع المسلمين مشاطرين لحظة نادرة عندماأدرك متظاهرو التحرير و كل ميادين مصرلحظة اللا عوده في منتصف الثمانية عشر يوم، وفي تلك الحظه إتخذو اقراراستكمال وقفتهم ضد الظلم مدركين خطرالموت أوالاعتقال، ولكنهم تغلبواعلى هذا الخوف متوحدين فانتصروا علي الطغيان وأجبروا المخلوع علي الرحيل عن السلطة.

وما أحوج المصريين جميعاً وخاصة الأقباط، في هذه الأيام العصيببة وسط رياح الإقصاء والتطرف والحديث عن تطبيق الحدود والجزية، ووسط محاولات تيار الإسلام السياسي لاحتكار كتابة الدستور، ما أحوجهم إلي قهر الإحساس بالخوف، وأن يعلموا أنهم جزء لا يتجزأ من نسيجهذا الوطن، لأنبقاء المجتمع القبطي في مصر شئغيرمطروح للمناقشة سواء شاءت جماعه أم لم تشاء. وما أحوج الملايين من المصريين الأقباط أن يتحدوا ويتضامنوا مع أشقائهم وشركائهم في الوطن للدفاع عن كل القيم النبيلة التي جاءت بها الثورة، عن المواطنة وعن دولة القانون التي لا تمييز فيها بين البشر علي أساس الدين والجنس والعقيدة واللون أو الانتماء السياسي أو الطبقي.

علينا كأقباط المثول مناصرين للحق والعداله بلا خوف ولا تردد، فاللجوء إلى قمع فصائل سياسية أدلى بنا في الماضي إلى تراكم أفكار رجعيه وعززها تعاطف شعبي مبني على نتائج الطغيان الأعمى. والفر إلى أحضان نظام سابق فشل في ضمان حقوق مواطنيه والمساواه بين طوائفه لن يجدي بفائدة أو تغيير. أيضا الاقتناع بخدعة التيار الاسلامي السياسي والوثوق في ضمانتهم الشفهية عن ترسيخ مبادئ تعددية الدوله المصريه دليل على السذاجةالسياسية. وحتي أن نبدء في تسخير الخوف على مصير الدوله بأسرها وليس فقط على المجتمع القبطي لن نتمكن من حماية الأجيال القادمة من أشباح الماضي ومخاطر الحاضر وكوابيس المستقبل.

الإعتقاد أنه لا يوجد مناصر للأقباط سوى مؤازري الدوله القمعيه ما هو إلا استخفاف بالعقول. فعلى سبيل المثال هناك شخصيات عامه مثل طارق حجي مدافع عن حقوق الأقباط منقبل الثورة، و قاده سياسيون جدد مثل د/محمد أبو الغار و د/ أحمد سعيد، فهم  يصارعون يومياً حفاظاً على تعددية الدولة. و يوجد الكثير من النشطاء الشباب الذين دافعوا عن حقوق الاقباط من  قبل  الثورة مثل الناشط والمدون محمود سالم و أيضا ما بعد قيام الثوره رأينا أمثلة يشهد لها التاريخ مثل الناشط والمدون علاء عبد الفتاح الذى قضى ما يقرب من ثلاثة أشهر ظلماً في السجن بناءًعلى شهادة زور، عقاباً على ما قام به من توثيق لمجزرة ماسبيرو. لقد حان الوقت للأقباط أن يطأوا على الخوف و يدهسوا الرهبة المسيطره على عقولهم وأجواء حايتهم والمثول في مساندة الحق والوقوف ضد الظلم.

كلنا مينا دانيال

في كل تعاملاتي مع المجتمع الثوري، لم أشعر في لحظه أنه هناك فارق أو تصنيف لجنس أو دين مصري على الاطلاق. قد يكون المجتمع المصري الثوري أعمى لتلك المسميات التي يستخدمها المصريون لتفرقة بعضهم البعض، وقد تكون تلك السمه هي التي جعلتني أفتخر بمصريتي من جديد. ذلك العمي الايجابي جعل المجتمع الثوري يدافع عن الاخوان ما قبل الثورة حين كانت جماعة محظورة، و دفع بالنشطاء لتوثيق انتهاكات أجهزة الأمن مع المتظاهرين السلميين، و هو أيضا الذي سيدفعه للدفاع عن أي مظلوم في المستقبل بغض النظر عن هويته أو عرقه أو دياناته.

إذا كانت هناك معركة أساسيه يجب أن يخوضها الأقباط فهي المعركة الكبرى من أجل بناء الدولة المدنية الحديثة،معركة ضد قوى الظلام الجديدة المتحالفة مع أعداء الثورة والساعية لإنتاج نظام أشد شراسة وفساداً من نظام المخلوع، سواء كان ديني أو قمعي. و لكن تلك المعركه الكبرى تتطلب انتصار واضح في المعركه المصيريه الحقيقيه وهى المعركة الروحيه. في تلك المعركة يجب أن يحدث تصالح بين المسيحي و مبادئه ويحدث توافق بين الايمان والأفعال، لأنه قد يكون شهداء ماسبيرو أكثرنا مسيحية لتحررهم من خوف الموت وواقعه، راسخين في مناصرتهم لكلمة الحق الى الأبد.

في بدء الثورة المصرية تناولت شاشات التلفاز وموجات الراديو فزاعات كاذبة ومضللة مشينة للثورة مهددة بانفلات أمني و فوضى في حين التمرد على الحاكم الطاغية. لكم الفخر أنكم الوحيدون اللذين حرقت كنائسكم و دهسوا أبناءكم بمدرعات جيشكم وحرض البعض على اقصائكم وتقاعس وتهاون الكثير من نخبة المجتمع عن الدفاع عن ما تعرضتم له من انتهاكات لصالح مكاسبهم السياسية وما زلتم فخورين ومتمسكين بمصريتكم .

لأول مرة في تاريخ الأقباط يحدث فصل بين القادة السياسيين و الروحانيين لمسحيي مصر و ذلك فضل الثورة 25 يناير. لأول مرة في تاريخ الأقباط تنشأ حركات مستقلة مثل حركة “شباب ماسبيرو” بعيدا عن قيادة الكنيسة منادية بحقوق الأقباط. أرى أمل في الجيل الصاعد للأقباط لادراكهم للحظة الفارقة التي تمر بها مصر، فقد أثبتوا شجاعتهم في كل المظاهرات والاشتباكات مع قوات أمن الطاغية وأثبتوا رؤيتهم و تمردهم السياسي عندما قرروا مساندة حمدين صباحي في الجولة الأولى من الانتخاباتالرئاسية.

مينا دانيال

أرى الأمل في ذلك الجيل لأنه قد انتصر في معركته الروحية وكسر حاجز الخوف وتحرر من شبح الموت.

إن المعركة الأساسية تستحق من جميع المصريين أن يقفوا معاً وقفة رجل واحد، لا مكان هنا للخوف أو الرهبة، ولا مجال للفزع من أشباح وهواجس وهمية. مصر لن تكون أبداً افغانستان أو إيران أو باكستان ، مصر تستحق من أبنائها أن يضعوا نصب أعينهم أهدافاً محددة في هذه المرحلة، وأن يناضلوامن أجل تحقيقها أيا كان من سيأتي لحكم مصر، ومن أهمها توفير الضمانات الكاملة لمدنية الدولة، وتطهير الدولة من بقايا وأعوان النظام الفاسد والمحاكمة العادلة للمسئولين عن كل مذابح ما بعد الثورة والتأكيد على أن القضاء المدني هو المسؤول عن محاكمة ومحاسبة المواطن وليس القضاء العسكري.

هذا كله لا يعني أن المخاوف المطروحه غير مبررة، بل على الاطلاق، لقد ثبتت صحة ومصداقية تلك المخاطرفي تفاصيل كل الأحداث المشينة للوحدة الوطنية، قبل وبعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير. ولكن الاستسلام في المعركة المصيرية  لضمان سلام دنيوي مؤقت الآن لأن يؤدي إلى خسارة المعركة الكبرى فقط بل سيضمن أيضا خسارة  الإنسان لذاته وهويته. ولذا،فأن النأجزمأنالمخاوف غير مبررة أوأنها مبالغ فيها،ولكن في إمكاني أن أجزم أن تحملها والتخلص من قيوده اطريق لحياة أفضل علىالمدى البعيد.

إن المصريين ما زال أمامهم الطريق طويلاً لاستكمال ثورتهم، وهم لا يملكون رفاهية التراجع أو الخوف من المجهول، ولا بديل أمامهم أقباطاً ومسلمين إلا مواصلة مشوارهم للوصول إلى الوطن الذي حلموا به يوم خرجوا وهتفوا وصلوا معاً من أجله.

عاشت مصر حره و ثورتها مستمره.

About Ramy Yaacoub


Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 26 other followers

%d bloggers like this: